ابن عجيبة

296

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

الظرفية ؛ نعت لمودة ، أي : حاصلة بينكم . ومن رفع : فله وجهان ؛ إما خبر إن ، و ( ما ) موصولة ، أو : عن مبتدأ محذوف ، أي : هي مودة بينكم ، و ( بينكم ) : مضاف إليه ما قبله . يقول الحق جل جلاله : فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ ؛ قوم إبراهيم حين دعاهم إلى اللّه إِلَّا أَنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ ، قاله بعضهم لبعض ، أو : قاله واحد منهم ، وكان الباقون راضين ، فكانوا جميعا في حكم القائلين . فاتفقوا على تحريقه ، فَأَنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ حين قذفوه فيها ؛ بأن جعلها بردا وسلاما . وتقدم في الأنبياء تمام القصة . إِنَّ فِي ذلِكَ ؛ فيما فعلوه به وفعلناه لَآياتٍ دالة على عظم قدرته لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ؛ لأنهم المنتفعون بالفحص عنها والتأمل فيها . روى أنه لم ينتفع بها في تلك الأيام أحد لذهاب حرها ؛ لأن كل نار سمعت الخطاب فامتثلت . وَقالَ إبراهيم لقومه : إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً ؛ أصناما آلهة مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا أي : لتوادوا بينكم في الحياة الدنيا ، وتواصلوا ؛ لاجتماعكم على عبادتها ، واتفاقكم عليها ، كما تنفق الناس على مذهب أو طريق ، فيكون ذلك سبب تحابهم . أو : إنما اتخذتم الأوثان سبب المودة ، أو اتخذتموها مودودة ومحبوبة بينكم ، أو : إن التي اتخذتموها أوثانا تعبدونها هي مودة بينكم في الدنيا ، ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ أي : تتبرأ الأصنام من عابديها ؛ كقوله : يَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا « 1 » ، أو : ينكر بعضكم بعضا ، ويقع بينكم التباغض ؛ كقوله : الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ « 2 » . وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً ، فتلعن الأتباع الرؤساء ؛ وَمَأْواكُمُ النَّارُ أي : مأوى العابد والمعبود والتابع والمتبوع . وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ يحصنونكم منها . الإشارة : الإنكار على أهل الخصوصية سنّة اللّه في خلقه ، فلا يأنف منها إلا جاهل ، والاجتماع على التودد على غير ذكر اللّه ومحبته وما يقرب إليه ، كله يؤدى إلى التباغض والتلاعن يوم القيامة ؛ الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ ، وهم المتحابون في اللّه ، المجتمعون على ذكر اللّه والعلم به . واللّه تعالى أعلم . [ سورة العنكبوت ( 29 ) : الآيات 26 إلى 27 ] فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقالَ إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 26 ) وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ( 27 )

--> ( 1 ) من الآية 82 من سورة مريم . ( 2 ) الآية 67 من سورة الزخرف .